المرأة والإبداع!
كتبهارلى الحروب ، في 23 أيلول 2006 الساعة: 19:51 م
تتهم المرأة عموما بأنها أقل إبداعا من الرجل، وقد حاول بعض العلماء من المؤمنين بنظرية تفوق الجنس الذكري أن يعزوا ذلك إلى أسباب فسيولوجية، ولكن غالبية الأبحاث الحديثة في علوم فسيولوجيا وسيكولوجيا الأعصاب جاءت بما خيب آمالهم، بل إن بعضها حمل مؤشرات على تفوق المرأة في حجم بعض مناطق الدماغ كالمناطق المسؤولة عن الذاكرة في القشرة الدماغية المقدمية والأميجدالا ( مركز الانفعالات) والجسم الجاسئ الذي يسهل التواصل بين فصي الدماغ الأيمن والأيسر! وحتى أبحاث اللغة والإبداع خرجت بنتائج تثبت أن النساء يوظفن كلا من فصي الدماغ الأيمن والأيسر معا في إنتاج اللغة وحل المشكلات وتكوين الروابط الجديدة وغير المألوفة، في حين يعتمد الرجال على الفص الأيسر غالبا في إنتاج اللغة وحل المشكلات!
إذا، يمكننا اعتبار أن نظريات التفوق الفسيولوجي لا تقف على أرض صلبة بعد التقدم المذهل في أبحاث الدماغ في السنوات العشر الأخيرة، ومن ثم فإن هذا يقودنا إلى كل من النظريات المعرفية ونظريات التنشئة الاجتماعية!!
ومع أن الكثير من علماء النفس المعرفيين المعاصرين لا يميزون في العمليات المعرفية بين الذكر والأنثى، ولا يعترفون بوجود فروق في كفاءة المعالجة بين الجنسين، على الرغم من أن الكثير من أبحاث علم النفس المعرفي قد أثبتت تفوق عمليات الذاكرة لدى المرأة، إلا أن بعض أولئك العلماء ممن نحوا منحى ثقافيا اجتماعيا كليا يمكن تسميته بالمنحى النظمي في علم النفس المعرفي من أمثال فوربس (1990) وتسيتزكماهالي (1996) وسترنبرغ (1995) قد اعتبروا أن تراجع المرأة تاريخيا وعالميا عن ميادين الإبداع كان بسبب عدم توفر الظروف التي تسمح لها بالحصول على التعليم أولا، ومن ثم فرص التجريب والاستكشاف واستخدام مواهبها ثانيا للوصول إلى إنجازات فريدة ومتميزة، فقد كان دورها قاصرا على رعاية مواهب الاخرين وليس إطلاق مواهبها!!!
علاوة على ذلك فإن المرأة تاريخيا قبعت داخل المنزل دون أن تتاح لها في أغلب الأحيان فرص الانطلاق إلى الخارج والعمل واستكشاف الطبيعة والكون من حولها، وما يسمح عادة للذكور من مغامرات ومخاطرة كان محظورا تقليديا على المرأة التي كانت مقيدة ومقموعة من كافة فئات المجتمع باسم العادات والتقاليد حينا، وباسم الدين أحيانا أخرى!!
وعندما ننظر إلى ما أنجزته النساء في أوروبا منذ بداية عصر الثورة الصناعية الذي خرجت فيه إلى سوق العمل وحتى اليوم، فإننا نرى كما هائلا من الانجازات في فترة زمنية قصيرة نسبيا في عمر التاريخ، ولعل الكثيرين يجهلون أن من اخترع الحاسوب امرأة وأن الكثير من النظريات حول الإبداع وضعتها نساء!!
أما لماذا تأخرت المرأة العربية عن نظيراتها في أوروبا وأميركا الشمالية وبعض المناطق الأخرى من العالم، فإن السبب لا يعود فقط إلى العوامل المذكورة سابقا من حيث تأخرها في الحصول على التعليم ومن حيث المعاملة المبالغة في التحفظ التي تحاط بها المرأة والتي تمنعها منذ طفولتها من التجريب والاستكشاف الذين يعدان الركن الأساسي في العملية الإبداعية، ومن حيث تركيز المجتمعات العربية على المرأة باعتبارها زوجة وأما مطلوب منها أن ترعى أسرتها لا أن ترعى مواهبها الخاصة، وإنما يتخطى ذلك إلى عامل أهم وهو أن الإبداع بالمجمل لدى الجنسين في عالمنا العربي والإسلامي في حالة متراجعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم المتقدم، والسبب في ذلك كما يراه سيمونتون (1988) أن الإبداع ليس عملية معزولة عن سياقها الاجتماعي والمعرفي والثقافي والزمني التاريخي، ومن ثم فإننا كي نحصل على إبداع لا بد أن يكون الشخص المناسب يستكشف الأفكار المناسبة في الموقف الاجتماعي والثقافي والتاريخي المناسب.
من هنا يمكننا فهم لماذا تراجع الإبداع لدينا في العالمين العربي والإسلامي في الوقت الذي كانت فيه أمتنا وما تزال تتعرض لهجمات شرسة تستهدف أمنها واستقرارها السياسي والعسكري والاجتماعي من جهة، وثفافتها وواقعها الاجتماعي من جهة أخرى!!
عدا عن كل العوامل التي تقدمت يبقى هنالك عامل هام يحول بين المرأة والإبداع، خاصة في الثقافات الشرقية وهو سعي المرأة الدؤوب إلى المطابقة والموافقة وحرصها على نيل موافقة المجتمع على أفعالها وسلوكاتها بحكم عوامل التنشئة الاجتماعية الضاربة في أعماق التاريخ!
هذا السعي إلى الموافقة والمطابقة يتعارض تماما مع الإبداع، لان المبدع بتعريفه هو ثائر على التقاليد والأعراف والقوانين والنظم، وهو محطم للأطر لا متبن لها، وهو شخص متحرر من القيود لا خاضع لها، كما أنه مشغول بتحقيق إنجازاته الخاصة إلى حد يمنعه من أن يحيا عبر شخص اخر كالزوج او الأبناء كما تفعل المرأة عادة في مجتمعاتنا، وهو فوق ذلك كله محصن من الغيرة ولا يعبأ بالصفات التي يلصقها به الاخرون كما أنه قادر على تكوين رأي مستقل ورؤية الحقيقة فيما يبدو من متناقضات ويستمتع بانجازات الاخرين ويرفض الانزلاق إلى شرك اللعبة التنافسية كلها، وجميع هذه الصفات تتعارض مع الأساليب التربوية التي نشئت بها المرأة في مجتمعاتنا!!
الإبداع يعني التفرد والخلق، وعلى المرأة العربية أن تتحرر من دوائر المسايرة والغيرة والتنافس لتخرج إلى الدائرة الأوسع والأرحب : الإبداع، كما عليها أن تتحرر من قيود الخوف والواقع والخجل لتنطلق إلى دنيا الجرأة وحب الاستطلاع والخيال والمخاطرة كي تحرر الطاقة الكامنة في داخلها لإنتاج ثقافة أكثر أصالة وكون أكثر جمالا!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مرأة ، مجتمع ، سياسة | السمات:مرأة ، مجتمع ، سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























