التطبيع المغمس بالدماء!!

كتبهارلى الحروب ، في 26 أيلول 2006 الساعة: 19:53 م

صدّرت صحيفة يديعوت أحرونوت الواسعة الانتشار عددها يوم الجمعة الماضي الثاني والعشرين من الشهر الجاري بعنوان ضخم: "اتصالات سرية بين إسرائيل والسعودية "!!!

 

أكدت الصحيفة كما أكدت من قبلها الهارتس الشهر الماضي على أن تلك الاتصالات جرت أثناء حرب لبنان ، وهو ما يعزز تقرير الهارتس الذي ادعت فيه أن العاهل السعودي قد شجع أولمرت على مواصلة حربه ضد حزب الله !!

 

 وها هو أولمرت يبدو وكأنه يسعى إلى تأكيد تلك التقارير عبر تصريحاته المنشورة يوم الجمعة الماضي لصحيفة يديعوت أحرونوت بأنه" معجب جدا بالملك عبد الله بن عبد العزيز وآرائه وحنكته السياسية"، وهي تصريحات يبدو أنها جاءت ثمرة لقاءات سرية تمت بين أولمرت وأحد أفراد الأسرة الحاكمة في السعودية!

 

تدعي صحيفة يديعوت أحرونوت كذلك أن التطبيع بين البلدين بات قاب قوسين أو أدنى وأن التطبيع مع مملكة البحرين سيكون الأسبق بعد تصريح ولي عهد المملكة خلال اجتماعه مع شيمون بيريز في نيويورك بأن تسخين العلاقات بين البلدين بات أقرب مما يتصور، وبعد إعلانه عن قرب منح تصريحات للإسرائيليين لزيارة البحرين دون تحفظات. وكانت هذه الحميمية المفاجئة قد أعقبت سلسلة من الاتصالات السرية المكثفة بين البلدين وزيارات للمديرين العامين للخارجية الإسرائيلية الأسبق والحالي إلى البحرين!!!

 

العجيب في الأمر أن المملكة العربية السعودية لطالما كانت تحت نيران القصف الإعلامي في الولايات المتحدة بقيادة اللوبي الصهيوني هناك في حقبة الملك الراحل فهد، وقد اشتدت تلك الحملات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عندما تبين أن معظم المهاجمين جاءوا من السعودية، مما شكل فرصة ثمينة للإعلام الأمريكي – اليهودي والإعلام الإسرائيلي لمهاجمة السعودية باعتبار نظامها ديكتاتوريا يصادر الحريات ولا يتحلى بأي نسبة ولو هامشية من الديموقراطية ويضطهد المرأة والأقليات الدينية وتغيب عنه سيادة القانون وما إلى ذلك من اتهامات لم تكن تتوقف عبر وسائل الإعلام بل وناقشها الكونجرس الأمريكي في أكثر من جلسة باعتبار النظام السعودي المغلق السبب في تصدير الإرهابيين إلى بلادهم جراء القمع الداخلي!!

 

إذا، هذه النقلة في الإعلام الإسرائيلي والتي ستتبعها نقلة في الإعلام الأمريكي أغلب الظن جديرة بالتوقف أمامها لاستقراء طبيعة الثمن الذي قدمه النظام السعودي مقابل ذلك الدفء السياسي والإعلامي، وهو ثمن يشتبه البعض في أنه سيكون مغمسا بدماء الفلسطينيين واللبنانيين  التي لم تتوقف عن السيلان بفعل آلة الحرب الإسرائيلية مقابل حقن دماء النظام وعدم تطبيق خطة تشيني-أبرامز الطموحة بشرق أوسط جديد تفتت فيه السعودية إلى عدد من الدول وتنفصل فيه الأماكن المقدسة لتشكل دولة إسلامية على غرار الفاتيكان وتتغول فيه بعض جارات السعودية على أراضيها من الشرق والشمال والجنوب!

 

أما مملكة البحرين فالظاهر أنها أرادت محاصرة آثار النصر الذي حققه حزب الله على الأرض قبل صدور القرار الدولي 1701 للحد من نفوذ الشيعة فيها، وهم أغلبية مثقفة فاعلة منظمة مسيسة، فبادرت إلى التطبيع مع إسرائيل ظنا منها أنها تعقد تحالفات تضمن استمرارية النظام في وجه الخطر الإيراني المحتمل، خاصة وان بعض ممالك الخليج باتت تشتم أن إيران ستفلت ببرنامجها النووي إن لم توجه إليها ضربات قاصمة قبل نهاية ولاية بوش!

 

وإن كانت كل من السعودية والبحرين ودول خليجية أخرى باتت ترى أمنها الاستراتيجي معقودا بتحالفها مع إسرائيل في مواجهة إيران، فإن البعض قد يعتقد أن مصر اختارت مسارا آخر وهو إحياء مشروعها النووي للطاقة السلمية الذي يمكنها إن تم من إنتاج الطاقة للأغراض العسكرية أيضا حتى وإن لم تعلن عن ذلك! وبغض النظر عن إمكانية تحقيق تلك الأمنية على الأرض وما إذا كان تحالفها الحالي مع الولايات المتحدة يسمح لها بتنفيذ ذلك الحلم أم لا، فإن السعي إلى إيجاد بديل حقيقي يوفر طاقة رخيصة للمواطن المصري وجيرانه في مستواه المعلن، وتحقيق توازن نووي عسكري –في مستواه الخفي- في منطقة تنفرد فيها قوتان ينظر إليهما باعتبارهما معاديتان هو خطوة في الاتجاه الصحيح كما يراها الكثيرون!!

 

لقد جرى العرف في علم الحروب أن الطرف المنتصر يفرض شروطه، ومن ثم فإن إسرائيل لو انتصرت في حربها الأخيرة ضد حزب الله ولبنان لكنا تفهمنا محاولة الزعماء العرب للهرولة إلى عقد سلام معها او عرض التطبيع، والشيء ذاته يمكن أن يقال عن الولايات المتحدة الأمريكية التي انهزم جيشها في العراق أمام المقاومة الباسلة. وبالرغم من هاتين الحقيقتين فإن الزعماء العرب لا يريدون أن يروا الهزيمة الاسرائيلية أو نظيرتها الأمريكية ومصرون على ترويج مقولة انهزامية أمام شعوبهم مفادها أن تلك الشعوب لا تملك نفعا أو ضرا أمام الدولتين ومن ثم فإن الحكمة تقضي بأن نبيع القضية الفلسطينية والقدس والشعب الفلسطيني ونتخلى عن باقي الأراضي العربية المحتلة لأن مصلحتنا تحتم عقد تحالفات مع إسرائيل!!

 

المدهش أن الزعماء العرب أولئك الذين سارعوا إلى تعويض هزيمة إسرائيل فعليا بعروض التطبيع المجانية تلك لا يقرأون ما يكتبه كتاب العدو ومنهم زئيف شيفي في الهارتس في 11/8 الذي اعترف بأن إسرائيل لم تتلق صفعة فحسب في لبنان، بل ضربة قاضية، وأن ما نتج عن حرب الأيام الستة في ال67 الذي أدى إلى ظهور إسرائيل كقوة عملاقة لا تقهر قد تتم معاكسته الان بعد الهزيمة المريرة التي تلقتها إسرائيل في لبنان والتي جعلتها تستلقى مغمى عليها دون أن تعي ما حدث!!!

 

إذا محللو إسرائيل السياسيون كغاد ليئور وشيفي وغيرهم يتوقعون نتائج معاكسة لحرب الـ67 في المنطقة، ولكن الزعماء العرب يقدمون لهم نتائج مطابقة لحرب الـ 67!!!

 

التطبيع مع إسرائيل بات مفخرة عربية يتسابق إليها الزعماء حتى ممن لا حاجة بهم إلى مثل هذا التطبيع ولا تشكل إسرائيل خطرا مباشرا عليهم، ولا تربطهم حاجات عضوية أو قرب جغرافي بها، والأنكى أن هذا التطبيع يأتي دون مقابل، فالفلسطينيون يذبحون كل يوم وما من أمل في دولة متصلة قابلة للحياة يلوح في الأفق ، ولبنان ما زالت سيادته منتهكة وبعض أراضيه محتلا، وسوريا ما زالت بدون الجولان!! وبالرغم من ذلك كله، فإن ولي عهد البحرين صافح بيريز بحرارة قائلا له: إنني أحلم بشرق أوسط جديد نتعاون فيه، وهو ما رد عليه بيريز بابتسامة عريضة قائلا:  الشرق الاوسط الجديد هو حلمي!! ولكن ما فات ولي عهد البحرين وباقي الزعماء الكرام أن الشرق الأوسط الذي يحلمون به غير الشرق الأوسط الجديد الذي يحلم به بيريز ورسم مخططاته بالتعاون مع المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية!!! وفاتهم أيضا أن الشرق الأوسط الجديد لم يحسب فيه حساب لإرادة شعوب المنطقة التي لن تبقى مرهونة إلى الأبد، ولا بد لها أن تستيقظ لتطيح بأحلام الفريقين معا!!!

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة وأخبار | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر