مستقبل كئيب!!!

كتبهارلى الحروب ، في 9 أيلول 2006 الساعة: 19:45 م

مقابلة جلالة الملك عبد الله الثاني مع مجلة تايم الأمريكية ليست مجرد مقابلة اعتيادية أخرى!!

 

المعلومات التي تسربت من المقابلة عبر وكالة الأنباء الأردنية بترا بالأمس غاية في الأهمية وتحمل كل جملة فيها دلالات عميقة، ويحمل بعضها الآخر مؤشرات خطرة وإشارات تحذيرية لم يسبق لزعيم دولة عربية أن أفصح عنها بهذه الشفافية!

 

أول ما يلفت النظر في المقابلة "خيبة الأمل" التي عبر عنها جلالته في الجماهير العالمية التي وصفها بأنها "فقدت اهتمامها بكل شيء"، "وحالة التحييد والعزلة التي وضع فيها المعتدلون العرب" ( نظما وأفرادا) بسبب فقدان  شعوب المنطقة الإيمان برسالتهم التي باتت غير مقنعة أو مثمرة بسبب "ركود المفاوضات العربية الإسرائيلية"!

 

في هذا السياق قال جلالته : "لا أظن أن الناس يأخذوننا على محمل الجد، وكثير من البلدان المعتدلة تشعر أنها معزولة". وفي هذا التعبير مرارة غير مألوفة من ملك شاب ليبرالي منفتح على العالم، بدأ يشعر للمرة الأولى أن هذا العالم لا يعبأ بمعاناة وطنه أو معاناة شعوب المنطقة، وبدأ يصل إلى قناعة مبنية على أسانيد واقعية أن النهج العقلاني المعتدل بات معزولا في الشارع ليس العربي أو الإسلامي وحده، وإنما الشارع العالمي الذي تتجه حكوماته كلها نحو أقصى اليمين السياسي أو الديني أو كليهما معا، بدءا من الولايات المتحدة ومرورا ببريطانيا وألمانيا ووصولا إلى إيران وإسرائيل!!

 

في هذه المقابلة وضع جلالة الملك -وللمرة الأولى أيضا- تاريخا محددا لحل المشكلة الفلسطينية هو حلول عام 2007 وحذر من أن أي تباطؤ في حل هذا الصراع المحوري سيؤدي إلى عقد أو عقود من العنف في الشرق الأوسط.

 

وللمرة الأولى في تاريخه يعبر الملك عن "تشاؤمه من المستقبل الذي يراه كئيبا" إن لم تحل المشكلة الفلسطينية حلا عادلا يكفل قيام دولة مترابطة ومتكاملة جغرافيا!

 

من المعلوم أن جلالة الملك يتمتع بعقلية منفتحة وبروح متفائلة بطبيعة تكوينه وشخصيته، وصدور مثل تلك الجمل السابقة عن مثل هذه الشخصية  يؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن ما يطبخ في مطبخ السياسة العالمية حاليا لا يسير في الاتجاهات التي يرغب بها الأردن وترغب بها الشعوب العربية والمسلمة، وأنه يصب في اتجاهات لا تحمد عقباها ستضر بالأنظمة كما ستضر بالشعوب!!

 

يؤكد ذلك تحذيره شديد اللهجة من احتمالية وقوع حرب مع إيران معتبرا أن هذه الحرب ستفتح الباب أمام كل الشرور وأن الشرق الأوسط لا يمكن أن يتعافى منها!!!

 

لاحظوا أن المفردات لم تأت دبلوماسية أو عمومية كما جرت العادة في خطابات أو لقاءات جلالة الملك، وإنما جاءت حادة محملة بالظلال والمعاني الخفية إلى جانب المعاني الجلية التي تعكسها الكلمات.

 

ما يمكن فهمه من العبارات السابقة أن جلالته يستشعر خذلانا عالميا وأمريكيا -بالأخص للأردن- باعتباره صوت الاعتدال والعقلانية في المنطقة، وهو ما لا يمكن وصف مصر أو السعودية به مع أنهما سياسيا يتبعان المحور الأمريكي أيضا، ولكن القيادة الأردنية حاولت على الدوام اتخاذ مواقف وسطية ترضي الداخل الأردني، ولا تغضب الدول العربية أو الإسلامية ، وتنسجم في الوقت ذاته مع متغيرات العصر ومتطلبات النظام العالمي الجديد!

 

هذا الخذلان للأردن يمكن قراءته في عدد من المحاور هي:

 

أولا: تراجع دوره السياسي لصالح دور سعودي-مصري لن يأتي وحده بالنتائج المطلوبة لإقامة الدولة الفلسطينية المتصلة المتكاملة بشكلها المنشود والمقبول،

والتي يعد قيامها مطلبا أساسيا للأمن الوطني الأردني!

 

ثانيا: استمرار الضغوط التي يتعرض لها الأردن للقبول بتسوية لا يراها عادلة لحل مشكلة الشعب الفلسطيني ويعدها النظام خطرا ربما يهدد استمراريته.

 

ثالثا: تخلي الولايات المتحدة عن دعم الأردن دعما يتوازى مع أزمته الاقتصادية الطاحنة التي كان الغزو الأمريكي للعراق والحرب الإسرائيلية على لبنان سببين رئيسيين فيها، خاصة بعد أن أديتا إلى ارتفاعات خيالية في أسعار النفط حملت الأردن الفقير بالموارد الطبيعية أضعاف طاقته إلى جوار أزمات المديونية المتراكمة والتي تتفاقم كل عام، بل كل بضعة أشهر، ناهيك عن تراجع الدعم المالي والنفطي الذي كان يصل الأردن من نظام صدام حسين ومن السعودية والكويت بشكل أساسي!

 

هذا الخذلان لم يقتصر على أميركا وإنما تعداه إلى حلفائها الخليجيين في المنطقة الذين يفترض أن توعز لهم أميركا بالمساعدة، ولكنها امتنعت عن ذلك لإيصال الشارع الأردني إلى حال  شبيهة بعض الشيء بحال الفلسطينيين المحاصرين في الداخل برا وبحرا وجوا المحرومين من الرواتب والماء والطعام والمحروقات لإجبارهم على الإطاحة بحكومة حماس المنتخبة، مع فارق أن الضغط على الأردن لا يهدف إلى  الإطاحة بالحكومة أو النظام، وإنما إلى إجبار النظام ومن خلفه الشارع على القبول بتسوية لم يقبلها أي منهما في أي مرحلة من مراحل الصراع السابقة!!

 

في هذا الظرف الحرج الذي تمر به المنطقة ويعاني منه الأردن، تقدمت دولة كإيران بعرض للمساعدة الاقتصادية وبحل أزمات الميزانية الأردنية لعقود مقبلة، ولكن الحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة كان عائقا حال دون قبول العرض من الدولة التي تعتبرها أميركا عدوا صريحا وأحد محاور الشر في المنطقة، وكانت النتيجة خسارة الأردن لفرصة اقتصادية – وربما عسكرية- كبرى لم تحاول الولايات المتحدة أو أي من حلفائها أعداء إيران في المنطقة تعويضها للأردن، لتقوية موقفه ومساعدته على الصمود ضمن الحلف الأمريكي- السعودي المطلوب!

 

جملة جلالة الملك التي قال فيها إننا إن لم نشهد ما يطمئننا جميعا بحلول عام 2007 فسيكتب علينا أن نعيش عقدا أو عقودا من العنف بين العرب والإسرائيليين هي جملة مفتاحية في هذا اللقاء، وهي تنبؤ واضح بأن فشل مؤتمر السلام المزمع بنهاية هذا العام سيتبعه حروب أخرى خارجية وداخلية ضد إيران وربما سوريا، وهو ما سينسف كل إمكانات التنمية في المنطقة  على كافة المحاور وليس محوري السلام أو الأمن وحدهما، ويقودنا جميعا إلى مستقبل كئيب كما وصفه جلالة الملك!!

 

الإدارة الأمريكية تملك فعلا معظم مفاتيح اللعبة في المنطقة الآن بحكم الواقع العسكري والاقتصادي والسياسي الجديد الذي خلقته بدعم من بعض الدول العربية، ولكن دول المنطقة ما زالت تملك أوراقا لا تحسن توظيفها مع الأسف، وبدلا من أن تصطف دولة كبرى كالسعودية إلى جانب إيران ومصر وتضمان معهما باقي العرب في حلف استراتيجي يضمن مصالح الجميع على قاعدة لا ضرر ولا ضرار ويعيد خلط الأوراق في المنطقة وينسف الحسابات الأمريكية القائمة، فإن تلك الدول المؤثرة اختارت مع الأسف أن تصطف إلى جانب الطرف الطامع في نهب المنطقة على المكشوف والذي يتآمر مع إسرائيل ويمدها بكل الدعم اللازم سياسيا واقتصاديا وعسكريا لسحق العرب ونسف أي أحلام بمستقبل امن وسعيد!

 

لقد سبق للأردن أن حذر الإدارة الأمريكية الحالية من مخاطر غزو العراق ولكنها كالمعتاد أعطت أذنا من طين وأخرى من عجين، وهو الآن يحذر من مخاطر ضرب إيران واستمرارية الصراع العربي الإسرائيلي، ولا نتوقع أن تكون النتائج مختلفة!!

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة وأخبار | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

11 تعليق على “مستقبل كئيب!!!”

  1. لا حياة لمن تنادي، فالأمريكان والصهاينة لن يتوقفوا عن جرائمهم رغم كل النصائح والأقوال ،عموما ككل مقالاتك السابقة روعة وحيادية وصدق، واصلي وفقك الله ورعاك، تحياتي

  2. موقف جلالة الملك ليس الاول من نوعه, فهل تأخذ الولايات المتحدة هذا التصريح بطريقة مختلفة هذه المرة

  3. هل تعلمي يا رلى أن الأنظمة العربية بإمكانها أن تأخذ الشرعية من جديد من شعوبها فقط من موقف عز تتخذه في وجه الهيمنة ، فمثلا نحن في الأردن نعاني من أزمة مياه و بطالة ووووو ، هل تعتقدي أننا بإمكاننا أن نوفر الحل لهذه المشاكل بدون أن نتعاون مع المحيط ، و لا أدري لماذا هذا الإذعان للأمريكان و الانبطاح لهم ، فهؤلاء الأمريكان يريدون أن يأكلوا الكعكة لوحدهم و هذا لن يكون

  4. كانت السعودية (وما زالت) أكبر وأصدق الممولين العرب لحركة فتح ثم لـ م.ت.ف. (35)، وهي بذلك تكتسب موقعاً مؤثراً هاماً في السياسة الفلسطينية. وتغير موقفها هذا نسبياً مع بقية دول الخليج في بداية التسعينات لاعتبار م.ت.ف. وحركة فتح حليفة للعراق إثر اجتياحه للكويت عام 1990. وتوقفت دول الخليج عن تقديم الدعم وقننت السعودية مساهمتها المالية، مما وضع المنظمة في ظرف صعب اقترب من الإفلاس، وعجزت عن دفع الرواتب واغلقت بعض سفاراتها(36) حتى جاءت أوسلو وبدأت الأبواب تُفتح قليلاً على العلاقات مع دول الخليج.

    التاريخ مهم جدا يارووووووووووووووووولاااااااااا

  5. إذا كان الاردن قدم بعض التنازلات عبر تاريخه الماضي أو الحالي فعذره ضيق الحال وضعف الموارد. إنه دولة صغيرة لا تملك من أمر نفسها شيئا وهي مضطرة بحكم تكوينها إلى التحالف مع الأقوى لضمان بقائها، ولكن ما عذر السعودية ومصر الكبيرتين القويتين الثريتين بالمصادر الطبيعية؟ لماذا هذا الانبطاح أمام الأمريكان والتخلي عن نصرة قضايا الأمة؟ لماذا مولت السعودية كل حروب أميركا في القارة الأفريقية ؟ لماذا تشتري من اميركا وبريطانيا صفقات الاسلحة بالمليارات التي لا تستخدمها ولن تستخدمها وتبقى ملقاة في أماكنها حتى تصبح قديمة لتشتري غيرها؟ لماذا تعادي سوريا العربية ولماذا دعمت الامريكان في حربهم على العراق مع أن صدام خدم النظام السعودي بحربه على إيران بل وشنها بتحريض مباشر من السعودية؟ لماذا تخلت السعودية عن دعم حماس الإسلامية مع أنها ترفع شعارات الإسلام ، وتركتها تلتجئ لإيران ؟ حماس لم تقف موقف منظمة التحرير ، كما أن منظمة التحرير نفسها لم تؤيد غزو الكويت وإنما عارضت ضرب العراق وعارضت التدخل الأجنبي ، وكذلك فعل الملك حسين رغم تحالفه مع الامريكان !!! لماذا تقمع الحركات الاسلامية في مصر والسعودية وبدعم من الحكومات السعودية مع أن السعودية دولة إسلامية؟ لماذا حاربت السعودية القومية أيام جمال عبد الناصر ثم عادت تترحم عليها اليوم بسبب حلف سوريا مع إيران في حين أنها هي ذاته متحالفة مع أميركا ؟!! لماذا ولماذا ولماذا؟ التاريخ حافل، وإن كان الأردن مضطرا لاتخاذ مواقف لا ترضي أحيانا شعبه، فإن السعودية غير مضطرة، ومصر هي التي وضعت نفسها في خانة الاضطرار!!!

  6. أما قضية التصنيف الفئوي فهي موجودة لديكم في السعودية بين سني وشيعي وحجازي ونجدي وغير ذلك، وموجودة في دول أخرى لا أريد ذكرها بجواركم، فلا داعي إذا لتذكيرنا بقصة تفرقة موجودة في اذهان البعض ولكن ليس الكل، ولها أسبابها السياسية والتاريخية. أما قصة موريتانيا، فالأردن مجاور لاسرائيل وكان من مصلحته الوطنية ان يعقد معها معاهدة سلام ليأمن على نفسه، ولكن موريتانيا في أقصى أفريقيا ، ما صلتها باسرائيل وما الذي دفعها إلى مثل هذا الموقف الذي لم يطلبه منها أحد ولم يجبره عليها احد؟
    دعنا لا ننجر وراء النظم فهي فاسدة في معظمها، ولا داعي لنخسر صداقتنا كشعوب! علينا أن نميز بين النظام السعودي والسعودية وبين النظام الاردني والاردن وهكذا…
    ولكن لأن كلمة النظام لدينا قد تقودنا إلى مشاكل قانونية مع القضاء فإننا نبتعد عنها غالبا، مع ان الاصح أن نسمي الاشياء بمسمياتها كي لا يظن البعض أننا نهاجم الدول مع أننا نهاجم نظم الحكم.

  7. من الواضخ انه لا سلام للعالم كله شرقه وغربه و شماله و جنوبه0 ربنا يرحمنا جميعا 0 ولكن تحليلاتك و كتاباتك خقا رائعه0

  8. فالأردن مجاور لاسرائيل وكان من مصلحته الوطنية ان يعقد معها معاهدة سلام ليأمن على نفسه، , و لكن ان تنظر السعودية و بقية دول في مصالحها في خيانة.

    إذا كان الاردن قدم بعض التنازلات عبر تاريخه الماضي أو الحالي فعذره ضيق الحال وضعف الموارد. إنه دولة صغيرة لا تملك من أمر نفسها شيئا وهي مضطرة بحكم تكوينها إلى التحالف مع الأقوى لضمان بقائها،

    بيعني انتي عارفة ان الدول لازم تقدم بعض التنازلات عشان يحصل على دعم. و على فكرة حتى بريطانيا العظمى لا تختلف عن اي دولة عربية في تبعيتها.

  9. رولى تقولي ان الاردن دولة صغيرة لا تملك من أمر نفسها شيئا وهي مضطرة بحكم تكوينها إلى التحالف مع الأقوى لضمان بقائها. انتي اكثر وحده متناقضة في العالم كيف دولة صغيرة و انت تقولي ان له وزن اهم من السعودية بعدين ليه يصحلها تتضمن مع القوى و السعودية لا. لو سمحتي ممكن تعطيني بريد رئيس التحرير اكد مو منتبه للحاجات التي تكتبينها

  10. إذا كان الاردن قدم بعض التنازلات عبر تاريخه الماضي أو الحالي فعذره ضيق الحال وضعف الموارد. انت عارفة هنا اش قاعدة تقولي انه بسبب الحاجة تجوز الخايانة يعني بسبب ضيق الحال يجوز بحسب منطقك انه الفقير يسرق و العسكري يخون بلده و الزوجة تخون زوجها بسبب ضيق الحال, استاذة نصيحة لا تكتبي بحقد على دولة دعمت الاردن و لم تجد من الاردن إلا المواقف غير المنصفة…

  11. اخر تعليق اذا عند العرب مشاكل يحلونها احنا كسعوديون لا نريد ان تذهب قلوسنا عليهم عندنا دول غير عربية تحترمنا و تحبانا و تهمنا اكثر من العرب كلهم.

    ازعجتونا شحاثين و يتشرطون



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر